محمد بن جرير الطبري
567
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الجهل والغباء من أهل ملتهم ، وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها ، بالايمان الذي كان يكون لهم به في الآخرة لو كانوا أتوا به مكان الكفر الخلود في الجنان . وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين ، فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا . كما : حدثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة : استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة . قال أبو جعفر : ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة بتركهم طاعته ، وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه ، لاحظ لهم في نعيم الآخرة ، وأن الذي لهم في الآخرة العذاب غير مخفف عنهم فيها العذاب لان الذي يخفف عنه فيها من العذاب هو الذي له حظ في نعيمها ، ولاحظ لهؤلاء لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم . وأما قوله : ولا هم ينصرون فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله ، لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) * يعني بقوله جل ثناؤه : آتينا موسى الكتاب : أنزلناه إليه . وقد بينا أن معنى الايتاء : الاعطاء فيما مضى قبل ، والكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام هو التوراة . وأما قوله : وقفينا فإنه يعني : وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض ، كما يقفو الرجل الرجل إذا سار في أثره من ورائه . وأصله من القفا ، يقال منه : قفوت فلانا : إذا صرت خلف قفاه ، كما يقال دبرته : إذا صرت في دبره . ويعني بقوله : من بعده : من بعد موسى . ويعني بالرسل الأنبياء ، وهم جمع رسول ، يقال : هو رسول وهم رسل ، كما يقال : هو صبور وهم قوم صبر ، وهو رجل شكور وهم قوم شكر .